الترويح الرياضي
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

الترويح الرياضي

الاهتمام بعلوم وتطبيقات الترويح الرياضي
 
ا.د يحيي حسنالرئيسيةالتسجيلدخول

مؤسسة الخير للكل للتنمية المستدامه منظمة غير حكومية مشهورة بوزارة التضامن بالجيزة شارك معنا في مبادرات الخير

 

 أسباب الاختلاف فى الراى حول مضمون الفلسفة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هاني محمد محمد عماره




عدد الرسائل : 2
تاريخ التسجيل : 13/01/2021

أسباب الاختلاف فى الراى حول مضمون الفلسفة Empty
مُساهمةموضوع: أسباب الاختلاف فى الراى حول مضمون الفلسفة   أسباب الاختلاف فى الراى حول مضمون الفلسفة Emptyالخميس يناير 21, 2021 2:42 am

أسباب الاختلاف فى الراى حول مضمون الفلسفة
مقدمة
لولا الأختلاف ماكانت الفلسفة فيجب أن يكون كل جوهر مختلفاً عن الآخر، وبالنسبة إلى الطبيعة، لا يوجد كائنان متشابهاً تماماً، ولا يمكن فيهما العثور على اختلاف داخلي، ونحن الأن فى في رحلة مع الفلاسفة لدراسة أسباب أوجه الأختلاف علي مضمون الفلسفة، نبحث من التفكير البسيط إلى المعقد ومن العموميات إلى الخصوصيات إذ اصبح الأنسان في مركز الواقع الوجودي وليس مجرد كائن.
يجعل الوعي والإدراك وما يلازمهما من تأمل وتفكير، الإنسان يسعى في بناء المعرفة عما يحيط به من أشياء وظواهر طبيعية وكونية. وقد شكلت مراحل التطور المعرفي أُسساً متنوع فى الأختلاف (أسطورية ودينية وفلسفية وعلمية)، لذلك تبلورت عبر مراحل التاريخ مفاهيم وآراء معرفية مختلفة تستند إلى تصورات عدة، حسية وعقلية وروحية وغيرها، وفي هذه الدراسة، نتناول بإيجاز تاريخي ونقدي آراء نخبة من الفلاسفة في أوجة الأختلاف حول مضمون الفلسفة في ضوء نظرية المعرفة قديماً وحديثاً.
من بروتاغوراس إلى أفلاطون
   تعد المعرفة عند كبير السفسطائيين أو المغالطين بروتاغوراس (481-411 ق.م) معرفة حسية، فالحواس هي الوسيلة التي بواسطتها نتعرف إلى الواقع الخارجي، وبما أن هذه المعرفة متأتية من الحواس فحسب، فهي ذاتية بحتة. وبذلك تختلف من شخص إلى آخر، فلا وجود لمعرفة مطلقة، بل نسبية ومتغيرة وتتأثر بالمحسوسات التي تتغير دوماً، فتكون أحكامها على الشيء الواحد متباينة بحسب أحوال الزمان والمكان والبيئة، وأوضاع المستويات الصحية والتربوية والاجتماعية والثقافية والعقلية.
     لذلك، اعتمد بروتاغوراس على مبدأ أن "الإنسان هو مقياس كل شيء، ما هو عليه، وما ليس كذلك"، فالإنسان هو معيار الحقيقة في الحياة والمجتمع والعقل، وتتأسس المعرفة العملية على أرض الواقع الحياتي، فإذا "فقدنا الثقة في وجود حقيقة موضوعية، كانت أغلبية الآراء في أهداف حياتنا العملية هي وحدها الوسيلة التي نحكم بها فيما نثق بصدق".
    أما الحقائق العلوية أو الماورائية، فهي محجوبة لا نعرف إن كانت موجودة أم لا، إنها معرفة غير مؤكدة لا تستحق النظر والإمعان فيها، وفي كتابه "في الآلهة"، يقول بروتاغوراس، "في ما يتعلق بالآلهة، لا يمكنني التأكد من أنها كذلك أو أنها ليست كذلك، ولا ما هي في الشكل، فهناك أشياء بشرية تعرقل المعرفة المؤكدة، وغموض الموضوع وقصر الحياة البشرية". (تاريخ الفلسفة الغربية، طبعة إنجليزية).
    ولا يهتم بروتاغوراس وسائر السفسطائيين بأية معرفة طبيعية أو كونية أو تفسيرات ماورائية، لأن كثرة الأفكار والنظريات تزيد من الإرباك والغموض تجاه الحقيقة، والحقيقة الكلية أو المطلقة ليست متمثلة بالإنسان الكلي، بل بالفرد الجزئي المحسوس بحسب وجوده الجسدي لا الذهني، لأن أصل المعرفة حسي وليس عقلياً، وهناك فرق بين الوجود العقلي والوجود الموضوعي.
فالعالم، وفق السفسطائيين، عسير الفهم إلى حد ما، والتفاوت في الآراء والأقوال يزيد التعقيد، فلا حقيقة غير الإنسان، وكل شيء آخر باطل وخداع. وذهب جورجياس (480-375 ق. م) إلى القول إنه "لا يوجد شيء، وفي حالة وجود أي شيء فإنه غير معروف، ومنحه صفة الوجود وأن يكون معروفاً من جانب أي شخص، لا يمكنه أبداً توصيله إلى الآخرين"، من هنا، انتقلت نظرية المعرفة من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسان في البحث عن الحقيقة، إذ إن الواقع الخارجي المستقل عن الإنسان لا يكفي في دراسة الحقيقة، وإنما عالم الذات له حصيلة مهمة في تكييف الظواهر.
     وبغض النظر عن المآخذ على هذه النظرية، فإن السفسطائيين استطاعوا أن يحدثوا نقلة نوعية مهمة ومغايرة إلى الفلسفات الطبيعية التقليدية، التي كانت موجودة في الفكر اليوناني، فمن التفكير البسيط إلى المعقد، ومن العموميات إلى الخصوصيات، إذ أصبح الإنسان في مركز الواقع الوجودي، وليس مجرد كائن يدور في الفلك بلا حول ولا قوة، وإنما له شأن في ما يجري من أحداث، وبمقدوره المشاركة في تكييف الظواهر.
وعلى الرغم من أن بروتاغوراس وأتباعه اهتموا بالخطابة والبلاغة والجدل أكثر من اهتمامهم بالبحث عن الحقيقة، تعرضوا لانتقادات حادة ومريرة من سقراط الذي انقلب عليهم وناصر العقل على الحس، واتبعه على هذا المنوال تلميذه أفلاطون، فنالهم الغبن، خصوصاً أن لديهم نظريات أخرى في الأخلاق والجمال والدين والقانون.
     وعندما خرج سقراط (469-399 ق.م) عن النهج السفسطائي، لم يرتق إلى مستوى الحقائق الكلية، واستمر في مستوى الجزئي المحسوس، الذي يختلف باختلاف الأفراد، وكذلك باختلاف حالات الشخص الواحد، فالمعرفة بالجزئيات هي معرفة ناقصة لا تصل إلى الحق، أما المعرفة الكلية فهي الأصل في طلب الحقيقة، وركز سقراط على العقل الذي يمكنه وحده معرفة الحقائق وتمحيص الأفكار وتحليل العقائد، والعقل عام في الناس جميعاً، فهو ينتزع من أوصاف الجزئيات وعوارضها المحسوسة بالاستقراء والمقابلة والجدل في المعاني الكلية الثابتة فيها، مثل القوانين والمبادئ وحدود الأشياء وماهيات الفضائل. فالوجود العقلي هو الوجود الحقيقي، والسبيل إلى تحصيل المعرفة يكون عن طريق العقل لا الحس.
     ولكن سقراط لم يبحث كثيراً في المدركات الكلية، وكان يؤكد باستمرار أنه لا يعرف شيئاً، وأنه أكثر حكمة من الآخرين في معرفة أنه لا يعرف شيئاً، لكنه لا يعتقد أن المعرفة لا يمكن الحصول عليها، بل على العكس من ذلك، فهو يعتقد أن البحث عن المعرفة أمر بالغ الأهمية، وأكد أنه لا يوجد شخص يرتكب الخطأ عن عمد، وبذلك فإن المعرفة هي اللازمة بجعل جميع الناس فاضلين.
     وتطرق أفلاطون (427-347 ق.م) إلى ما فات سقراط، وتناول المدركات الكلية، وحدد وسائل المعرفة في أربعة مستويات، الحس والظن والاستدلال والعقل، الذي يعد أسمى الدرجات، فأصل المعرفة الحقيقية يكمن في إدراك المُثل (أو الصور) العقلية، التي هي حقائق ثابتة كالعدالة والجمال والخير. والعقل هو "منظم بشكل طبيعي ولطيف، بمثابة دليل راغب ومنضبط بشكل طبيعي في تحقيق فكرة الوجود الفردي". (جمهورية أفلاطون، طبعة إنجليزية). لذلك، يحاول العقل إدراك هذه المُثل من دون الاستعانة بالحواس، وذلك بطلب العلم الكامل والمعاني الكلية والماهيات والصور المفارقة من خلال التأمل والنظر والاستقراء والتحليل.
     فإذا أردنا، على سبيل المثال، أن ندرك مفهوم الجمال، علينا أن نبدأ جزئياً من شخص أو شيء جميل، ويكون الوصول إلى المعرفة بواسطة الجدل الصاعد، وهو الانتقال من المحسوس إلى المعقول، فالعقل يستند إلى العلوم الجزئية ليصل إلى المبادئ، والجدل الهابط هو عملية عكسية في فهم الموجودات من أعلى إلى أسفل.
    ولكن هذا النهج المعرفي تشوبه تفاوتات في تبيان بعض المبادئ المنطقية العامة، خصوصاً أن أفلاطون ينظر إلى المقولات على أنها حقائق فعلية لا مجرد تصورات ذهنية خالصة، لذلك، تعد نظرية المعرفة عند أفلاطون ذات صبغة ماورائية أكثر منها منطقية.
    ويرى أفلاطون أن مصدر المدركات الكلية هو العالم المثالي، فالمعرفة الحقة هي أن نعقل المثاليات، إنها حقائق كلية ثابتة ومستقلة عن الإنسان، ومصدر لوجود الأشياء في العالم المحسوس وعلة له، فالأنفس البشرية كانت في العالم العلوي أو المثالي ثم هبطت إلى العالم السفلي وحلت في الأجسام، فإذا رأت شيئاً جميلاً على الأرض تذكرت مثال الجمال في عالم المُثل، بل كل ما هو موجود في العالم الطبيعي من حيوانات ونباتات وجمادات وعلل وصفات لها مُثل أيضاً، وهذه المثاليات أو الصور العلوية هي معان مجردة خالدة، والأشياء المادية تتشبه بها لأنها ناقصة وفانية. مثال، إن عمل الفضيلة للفرد مدته الزمنية قصيرة، غير أن الفضيلة هي حقيقة سرمدية، وهذا التشبه لا يعني بالموجود المادي أن يبلغ الكمال، فالكمال للنماذج المثالية فحسب، وهي معاييرنا الدائمة، إنها النماذج الحقيقية للوجود، وبحصول صورها في أذهاننا نكتسب العلم والمعرفة.
    هكذا، فالمدركات الكلية لا تدرك بالحس بل بالعقل، والمثل هي جوهر الأشياء كلها، ولا يحدها زمان ومكان، ولا تتركب من شيء، فهي جواهر كلية بسيطة، ومثال الإنسان ليس الكائن الجزئي الناقص، وإنما هو الحقيقة الكلية العامة الكاملة لكل إنسان، وبذلك هي مصدر المعرفة والوجود وعلة كل شيء، منها الأخلاق والسلوك.
وفي محاورة "السفسطائي"، أشار أفلاطون إلى وجود خمسة أنواع عليا تؤدي عملية التأليف والربط بين المثل، وهي، الحركة والسكون والوجود والهوية والغيرية، فمثال الحركة يتصف بالوجود والذاتية لأنها هي ذاتها موجودة، لكنها غير مثال السكون والأنواع الأخرى. فكل شيء من حيث هو يشارك في الوجود، كونه هو غير الأشياء الأخرى يشارك في الغيرية. إن قابلية المثل لأن يشارك ويتفاعل بعضها مع بعض، منحت نظرية أفلاطون صورة واضحة أكثر، لا سيما أنه يرى المعرفة حدسية تستند إلى استرجاع الذاكرة في العالم المجرد أو المثالي.
    أما عند أرسطوطاليس (384-322 ق.م)، فتبدأ المعرفة من الإحساس المباشر تجاه هذا العالم الخارجي، وهذا الإدراك المباشر يخص الإنسان والحيوان معاً، فالإنسان يملك إدراكاً باطنياً يحاول من خلاله أن يجرد من الصورة المادية ما تبقى في ذاكرته وخبرته، لذلك تصبح معرفته تجريدية، ذهنية، تحفظ جواهر الأشياء بعدما تزيل منها صفاتها المحدودة، فينطبع بها تماماً، بحيث تنتقل الصورة الحسية إلى الوجود بالفعل، كما العين في الألوان واللسان في التذوق والأنف في الشم...
    بمعنى ثان، إن الحواس الخمس هي نافذة الجسم المفتوحة على الواقع الخارجي، والإحساس المباشر بأي شيء حاضر في الحال يوصف بأنه جزئي، وبذلك تعد التجربة الحسية المباشرة مصدر كل معرفة، وعلى الرغم من أن أرسطو يوافق أستاذه أفلاطون، في التفريق بين الظن واليقين، وأن المعرفة الحسية هي ظنية، بينما المعرفة الحقيقية تصل إلى الدرجة اليقينية، لكنه يخالفه في شأن الحدس، فالمعرفة تذكرية إرادية وليست حدسية، لأن الإنسان يريد أن يعرف من غير جهد في التذكر، ودور الإرادة هو أن تجعل الإنسان يستدعي أفكاره بصور متشابهة.
    وحتى بالنسبة إلى الفكر، فإن أرسطو يحدده في تحصيل المعرفة، إذ إن "الفكر يظهر في كل ما يقولونه لإثبات أو دحض نقطة معينة، أو إعلان بعض القضايا الكلية". (في الشعر، طبعة إنجليزية).
    في أي حال، فإن الحس عند أرسطو بالغ الأهمية، والموقف نفسه لدى أفلاطون وسقراط، لأن الحس يعطينا المادة الخام للمعرفة، ولكنها ليست مترابطة ومنسقة، بل يعطينا إياها معلومات مفككة لا صلة بينها، فيعمل العقل على تنظيم المعلومات وربطها ببعضها بعضاً، إذ إن "العقل هو أعلى شيء فينا، والأشياء التي يدركها هي أسمى ما يمكن معرفته". (الأخلاق، طبعة إنجليزية).
    كما أن العقل موجود بالقوة، ثم من خلال عملية التجريد يبدأ الإنسان بتحصيل المعرفة من المجرد إلى الحسي، وليس العكس، والمعقولات لا وجود لها إلا في الذهن، وهنا أرسطو أيضاً، يخالف نظرية أفلاطون المثالية، فالذهن ليس صفحة بيضاء خالية من أي شيء عليها، وإنما تتضمن استعداداً ما للمعرفة يرتبط بطبيعة الذهن ذاتها، ويظهر هذا الاستعداد في صورة البديهيات الأولى.
ويقول أرسطو إن انتقال العقل من القوة إلى الفعل يتم عن طريق العقل الفعال، وهو عقل بالجوهر، وعقل النفوس البشرية جمعاء، ويتصل بعقولنا الفردية ويجعلنا ندرك المعقولات، وإذا ضعف العقل عند الشيخوخة فسبب ذلك كون القوى المدركة مثل الحواس أصابها الوهن، وبذلك صار على العقل أن يتحمل عبء هذه المرحلة لا أكثر.
    صفوة القول، إن المعرفة الحقة تكمن في هذا العالم المادي، وليس في العالم المثالي، وكذلك الإدراك الحسي ليس عملية جسمية فحسب، بل نفسية أيضاً. وبذلك يخالف أرسطو رأي أفلاطون في مفاصل مهمة في نظرية المعرفة.
من ديكارت إلى هيجل
يعد رينيه ديكارت (1596-1650) أبرز العقلانيين في الفلسفة الحديثة، وقالوا عنه هو مؤسسها، إذ تميز نهجه الفكري بإيجاد فلسفة عملية تهتم بالتجربة وتتفاعل مع نتائجها. فالمعرفة اليقينية التي لا يعتريها الشك، وفق رأي ديكارت، تعتمد على مدى معرفتنا بوقائع التجربة، والسبيل إلى ذلك، أن نقوم بعملية فكرية ثلاثية الركائز: حدسية وتجريبية واستنتاجية. الأولى لتسمية المبادئ الأولية الموضحة لكل شيء، الثانية من أجل أن نستخلص من هذه المبادئ نتائجها المباشرة، والثالثة في تناول الوقائع ومقارنتها مع مبادئ التفسير الموضوعة بشكل سابق للتجربة.
وأن "تعدد القاعدة جميع الأنشطة الفكرية التي يمكننا من خلالها الوصول إلى معرفة الأشياء من دون أي خوف من الخداع. فهي تسمح بحدسين واستقراء فقط. وأعني بالحدس ليس التأكيد المتذبذب للحواس، أو الحكم المضلل للخيال الخطأ، ولكن التصور الذي يتكون من الانتباه العقلي الواضح، فهو سهل للغاية ومتميز بحيث لا يترك مجالاً في ما يتعلق بما نحن عليه من فهم". (كتابات فلسفية، طبعة إنجليزية)، إذ يعتقد ديكارت أن العلوم مترابطة بشكل وثيق لدرجة أنه لا يمكن دراسة علم ما بمعزل عن بقية العلوم. وأن العقل يمتلك وسيلتين للارتقاء إلى معرفة الحقيقة، الحدس والاستنتاج. الأولى، الإدراك البديهي الذي ينشأ من أنوار العقل، ويدرك الفكر اليقظ بوضوح وتمييز بحيث لا يطاله الشك، وليس الحدس المتقلب الذي نتلقاه عن طريق الحواس، أو الحكم المضلل الصادر من المخيلة المشوشة بالفطرة. الثانية، استخلاص من شيء نعرفه معرفة موثوقة مؤكدة، نتائج تنجم عنه بالضرورة، فهناك أشياء ليست بديهية في حد ذاتها لكنها يقينية، شريطة أن يستنتجها الفكر من مبادئ صحيحة.
     بالاختصار، فإن القضايا الأولى الصادرة من المبادئ تكون معرفتها، إما عن طريق الحدس أو عن طريق الاستنتاج وفق ما يُنظر إليها، ولكن المبادئ نفسها معرفتها بالحدس وحده، والنتائج البعيدة بالاستنتاج فقط

ولقد أرسى ديكارت لفكره أربع قواعد ترشده في طلب المعرفة الحقة، وهي:
القاعدة الأولى، ألا أقبل أي شيء على أنه حق ما لم يتبين لي بالبداهة أنه من الوضوح والجلاء بحيث لا يبقى لدي مجال للشك فيه
القاعدة الثانية، أن أُقسم المشكلات المبحوثة إلى ما يمكن وما يلزم من تجزئة لحل هذه المشكلات بأفضل طريقة
القاعدة الثالثة، أن أطرح أفكاري بالترتيب، مبتدئاً بأبسط الأشياء المستساغة علمياً، ثم بالتدريج إلى معرفة أكثر الأشياء تعقيداً
القاعدة الرابعة، أن أضع في كل مجال الإحصاء والمراجعة الكاملة التي تجعلني على ثقة بأنني لم أهمل شيئاً ما.
     صفوة القول، إن ديكارت يقابل بين العقل والحواس، فالأخيرة مجرد أدوات عملية يسدي نتائجها النفع العام في الحياة، إلا أنها خالية من القيمة بالنسبة إلى المعرفة. أما العقل، فهو نوع من الإشراق الخارق، والله هو الذي وضع في الإنسان فطرياً بعض الأفكار، وهي المعارف الأولية.
    إن المعارف الأولية، بحسب قول باروخ سبينوزا (1632-1677)، هي أصلاً مغروسة بالإنسان تلقائياً، لأن الله هو جوهر هذا الوجود، وباقي الجواهر متضمنة فيه ومنبعثة منه. إن "الفكر هو صفة الله، أو أن الله هو تفكير الشيء، وإن الأفكار الفردية وهذا الفكر هي أنماط تُعبر بطريقة معينة وحاسمة عن طبيعة الله. لذلك، فإن الصفة التي تنطوي على مفهوم كل الأفكار الفردية، والتي من خلالها يتم تصورها، تتبع إلى الله. فالفكر إذاً هو إحدى صفات الله اللانهائية، التي تُعبر عن وجود الله الأبدي اللانهائي". (الأخلاق، طبعة إنجليزية)، والإنسان يدرك الواقع الخارجي من خلال شكلين اثنين، وهما "الامتداد والفكر" أو "المادة والعقل"، وهما صفتان للجوهر الذي ندركه خارجياً بحواسنا كونه مادة، وبشعورنا باعتباره فكراً. كما أن هاتين الصفتين ليستا منفصلتين الواحدة عن الأخرى، وإنما هما جانبان خارجي وداخلي لحقيقة واحدة، الجسم في تكوينه العضوي، والذهن في الحالة العقلية المناظرة لها. وهكذا نحن نعرف الحقيقة، إما مادةً أو فكراً عن طريق الإدراك الحسي أو الفكرة فقط، وفي تناوله لـ"قوة العقل"، يذهب سبينوزا في تقسيم المعرفة إلى ثلاثة أنواع، حسية استقرائية وعقلية استنتاجية وعقلية حسية. بالنسبة إلى المعرفة الحسية الاستقرائية، تكون فاعلة ومنفعلة بحسب الضرورة المعرفية التي تحصل عليها النفس، في الأولى، بوصفها تملك أفكاراً عامة، والثانية، بوصفها عاجزة عن إدراك طبيعتها وطبيعة الأشياء الخارجية، لأنها خاضعة إلى تأثيرات وعلل خارجية مناقضة لطبيعتها.
    أما المعرفة العقلية الاستنتاجية أو التصورية، فإن النفس تسعى للتخلص من الغموص المتأتي من معرفتنا الحسية، وذلك بالانتقال من الجزئي إلى الكلي بواسطة المعرفة بالعقل من خلال الاستنتاج غير المباشر والحس المباشر والمعرفة العقلية الحسية أو الحدسية، يرتقي فيها العقل من الفكرة التامة للماهية الصورية لبعض الصفات الإلهية إلى المعرفة التامة لماهية الأشياء. وهذا "النوع الثالث من المعرفة" ينبثق من كفاية بعض صفات الله، المعرفة الكافية لجوهر الأشياء، وكلما فهمنا الأشياء بهذه الطريقة، فهمنا الله أكثر. وبذلك، فإن أعظم فضيلة للعقل، أي قوة العقل أو طبيعته، أو أعظم مساعيه هي فهم الأشياء وفقاً للنوع الثالث من المعرفة. وعندما نحقق كثيراً من العقل يكون الفهم هو فهم الأشياء من قِبَل النوع الثالث من المعرفة، فالعقل يرغب أكثر في فهم الأشياء من خلال هذه المعرفة.
    وفي هذا الصدد، ينص سبينوزا، على أن "هذا واضح، لأنه بقدر ما نتصور أن العقل لكي يكون قادراً على فهم الأشياء من خلال هذا النوع من المعرفة، فإننا حتى نتصور أنها مصممة على فهم الأشياء بالمعرفة نفسها. وبناءً عليه، كلما كان العقل أكثر ملاءمة لهذه المعرفة، زادت رغبته فيها. ومن هذا النوع الثالث من المعرفة ينشأ أكبر قدر ممكن من الاقتناع العقلي". (المصدر السابق) وإن أعظم فضيلة للعقل هي معرفة الله، أو الفهم وفقاً للنوع الثالث من المعرفة، وهذه الفضيلة هي الأعظم بحسب العقل الذي يعرف المزيد من الأشياء بهذا النوع من المعرفة. لذلك، فإن من يعرف الأشياء وفقاً لهذا النوع من المعرفة، يصل إلى أكبر حالة من الكمال، ونتيجة لذلك يتأثر بغبطة عظيمة، ويصاحبه فكرة عن نفسه وفضله. وعليه، فمن هذا النوع من المعرفة ينشأ أكبر قدر ممكن من الاقتناع.
     وبناء على هذا المفهوم، يعتقد سبينوزا، أنه لا يمكن أن تنشأ محاولة الرغبة في أشياء المعرفة وفقاً للنوع الثالث من المعرفة (الحدس) من النوع الأول (الاستقراء)، ولكن من النوع الثاني من المعرفة (التصور). وهذا القول بديهي، لكل ما نفهمه بوضوح وبشكل متميز، نفهم إما من خلاله أو من خلال شيء آخر تم تصوره من خلاله؛ أي أن الأفكار المتميزة والواضحة فينا، أو التي تشير إلى النوع الثالث من المعرفة، لا يمكن أن تنبع من الأفكار المشوهة والمشوشة التي تشير إلى النوع الأول من المعرفة، ولكن من الأفكار المناسبة أو من النوع الثاني والنوع الثالث من المعرفة. ولذلك، لا يمكن أن تنشأ رغبة أشياء المعرفة من النوع الثالث من المعرفة من معرفة النوع الأول، ولكن من النوع الثاني فقط.
ويقترب ويلهلم لايبنتز (1646-1716) من ديكارت أكثر من سبينوزا، فقد أخذ منه تعريف الجوهر، لكنه رفض الإثنينية "الفكر والامتداد" أو "العقل والمادة"،  فالتعريف الحق هو وجود عدد لا متناه من الجواهر الفردة أو ذرات روحية "مونادات" (Monads)، وهي "الذرات الحقيقية للطبيعة، باختصار، عناصر الأشياء"، ومنها يتكون الوجود بأسره. وطبيعة هذا الجوهر أو الموناد، أنه حاصل في موضوع موجود بالضرورة في ذلك الموضوع، ولا يمكن أن يشترك في حمله أي موضوع آخر، وإلا فقد الجوهر استقلاله الذاتي. إذ إن لايبنتز يركز على مبدأ الاتصال بغية المحافظة على هوية الموجودات وثباتها، وكذلك على مبدأ المتعذر تمييزه في القوى المحركة، ولذلك فهو لا يسلم بالعلاقة الطبيعية الثنائية المشتركة بين حدين أو موضوعين.
المراجع
عماد الدين الجبري، مقال منشور الخميس 14 يناير 2021 على الرابط
https://www.independentarabia.com-
يوسف مكرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف (الطبعة الخامسة 1998).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
أسباب الاختلاف فى الراى حول مضمون الفلسفة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» المفاهيم الاساسيه للفلسفة وأسباب الاختلاف فى الراى حول مضمونها
» المفاهيم الاساسيه للفلسفة وأسباب الاختلاف فى الراى حول مضمونها
» الفلسفة البرجماتية
» الفلسفة الواقعية
» مفردات مقرر المذاهب التربويه والفلسفيه في مجال الترويح الرياضي ت ر 703 ا.د محمد الحماحمي- ا.د يحيي حسن

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الترويح الرياضي :: دراسات عليا قسم الترويح الرياضي كلية التربية الرياضية بنين هرم جامعة حلوان2022 :: اجباري دكتوراه ترويح - المذاهب التربويه والفلسفيه في مجال الترويح الرياضي ت ر 703 ا.د محمد الحماحمي- ا.د يحيي حسن-
انتقل الى: